العودة للخلف

(الرابع) من فضائل الصيام

تاريخ النشر: 19 / 02 / 2026
: 4

من فضائل الصيام

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ للصيام فضائل كثيرة، ومحاسن شهيرة.

ومن ذلك: أنَّ في الجنة بابًا للصائمين الكاملين في صومهم فرضًا ونفلًا، والذين يغلبُ عليهم الصوم ويكثرون من نوافله، كما في الصحيحين عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ»([1]).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّان»([2]).

واشتقاقه: من الري، وهو نقيض العطش؛ وفي تسمية الباب بذلك مناسبة حسنة لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، وفي ذلك من إكرام الصائمين وتشريفهم ما لا يخفى.

ومِن فضائل الصَّوم: أنَّ ثوابه يتضاعف إلى ما شاء الله تعالى، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي»([3]).

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «أضافَ اللهُ الجزاءَ إلى نفسه الكريمةِ؛ لأنَّ الأعمالَ الصالحةَ يضاعفُ أجرها بالْعَدد، الحسنةُ بعَشْرِ أمثالها إلى سَبْعِمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرةٍ، أمَّا الصَّوم فإِنَّ اللهَ أضافَ الجزاءَ عليه إلى نفسه من غير اعتبَار عَددٍ وهُوَ سبحانه أكرَمُ الأكرمين وأجوَدُ الأجودين، والعطيَّةُ بقدر مُعْطيها، فيكُونُ أجرُ الصائمِ عظيماً كثيرًا بِلَا حساب»([4]).

ومن محاسن الصوم: أنه جُنّة -أي وقاية ومنع وحماية- لصاحبه من القبائح والفضائح ورديء الأقوال والأفعال، وجُنَّة من آثار ذلك وهو النار أجارنا الله وجميع المسلمين منها.

كما قال : «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»([5]).

ولهذا أرشد النبيُّ الشابَّ الذي لا يقدر على الزواج إلى الصوم، لما فيه من الوقاية من المعصية وكسر الشهوة وحفظ الجوارح.

ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي : «يا معشر الشباب مَن استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوَّج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء»([6]).

وفي المُسند عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله قال: «الصِّيام جُنَّةٌ مِن النَّار»([7]).

ومن فضائل الصيام: ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»([8]).

وقال : «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»([9]).

ومن فضائل الصيام: فرحة أهله عند فطرهم، وعند اكتمال شهرهم وعند لقاء ربهم، كما قال : «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ»([10]).

ومن فضائل الصيام: أنَّ خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ»([11]).

قال ابن رجب رحمه الله: «خلوف الفم: رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة، لخلوّ المعدة من الطعام بالصيام، وهي رائحة مستكرهة في مَشامّ الناس في الدُّنيا، لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته، وابتغاء مرضاته.

وفي طيب ريح خلوف الصائم عند الله عز وجل معنيان:

أحدهما: أنَّ الصيام لما كان سرًّا بين العبد وربِّه في الدنيا، أظهره الله في الآخرة علانية للخلْق، ليَشتهر بذلك أهل الصيام، ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لإخفائهم صيامهم في الدُّنيا.

والمعنى الثانـي: أنَّ مَن عبدَ الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا بعَمل، فنشأ مِن عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا، فإنَّ تلك الآثار غير مكروهة عند الله، بل هي محبوبة له، وطيِّبة عنده، لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته، فإخباره بذلك للعاملين في الدُّنيا فيه تطييبٌ لقلوبهم، لئلَّا يُكره منهم ما وُجد في الدنيا»([12]).

ومن فضائله: أن الصوم يكفر الذنوب والخطايا.

وقد جاء في هذا أحاديث، منها: قوله : «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». متفق عليه([13]).

ومنها: ما في الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي قال: «فتنةُ الرجل في أهله وماله وجاره تُكفِّرها الصلاةُ والصيامُ والصدقة»([14]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» أخرجه مسلم([15]).

ومن فضائل الصيام: أنه سبب لاستجابة الدعاء، فالصيام حالة يُرجى معها إجابة الدُّعاء. كما قال : «ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم»([16]).

ومن فضائله: أنَّ الصيام يشفع للصائم يوم القيامة.

كما في المسند عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ»([17]).

ومن فضائله: أنَّ موتَ العبد وهو صائم خاتمة حسنة. كما في المسند عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي قال: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ -خُتِمَ لَهُ بِهَا- دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ -خُتِمَ لَهُ بِهَا- دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ -خُتِمَ لَهُ بِهَا- دَخَلَ الْجَنَّةَ»([18]).

ونكتفي بذكر هذه الفضائل العظيمة للصيام، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ومن جميع المسلمين الصيام وسائر الأعمال، والحمد لله رب العالمين.

 



([1]) البخاري 1896 ، مسلم 1152.

([2]) البخاري 1897، ومسلم 1027.

([3]) البخاري 5927 ، ومسلم 1151 واللفظ له.

([4]) مجالس رمضان  15-16.

([5]) البخاري 1904 ومسلم 1151.

([6]) البخاري 1905، ومسلم 1400.

([7]) مسند الإمام أحمد 16278، وانظر منه: 9363، وهو في الجامع الصحيح 1446 .

([8]) البخاري 2840 ومسلم 1153.

([9]) أخرجه الترمذي 1624 ، عن أبي أمامة رضي الله عنه، وهو في الصحيحة 563 .

([10]) البخاري 7492 ، ومسلم 1151.

([11]) البخاري 1894 ومسلم 1151.

([12]) لطائف المعارف 300 بتصرف.

([13]) البخاري 2014، ومسلم 760.  

([14]) البخاري 525، ومسلم 144.

([15]) صحيح مسلم 233.

([16]) أخرجه أحمد وابن ماجه وإسحاق وغيرُهم. انظر: الجامع الصحيح 1358، والصحيحة 1797 .

([17]) مسند أحمد 6626 ، وانظر: تمام المنة 394 ، وصحيح الترغيب 969.

([18]) مسند أحمد 23324 ، وانظر: أحكام الجنائز 1/43.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح